ابن أبي الحديد

76

شرح نهج البلاغة

الأصل : فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك ، فليكن له تعبدك ، وإليه رغبتك ، ومنه شفقتك . واعلم يا بنى أن أحدا لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عليه نبينا صلى الله عليه وسلم ، فارض به رائدا ، وإلى النجاة قائدا ، فإني لم آلك نصيحة ، وإنك لن تبلغ في النظر لنفسك ، وإن اجتهدت مبلغ نظري لك . الشرح : عاد إلى أمره باتباع الرسول صلى الله عليه وآله ، وأن يعتمد على السمع وما وردت به الشريعة ونطق به الكتاب ، وقال له : إن أحدا لم يخبر عن الله تعالى كما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وآله ، وصدق عليه السلام ! فإن التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب أنبياء بني إسرائيل لم تتضمن من الأمور الإلهية ما تضمنه القرآن ، وخصوصا في أمر المعاد ، فإنه في أحد الكتابين مسكوت عنه ، وفي الاخر مذكور ذكرا مضطربا ، والذي كشف هذا القناع في هذا المعنى ، وصرح بالامر هو القرآن . ثم ذكر له أنه أنصح له من كل أحد وأنه ليس يبلغ وإن اجتهد في النظر لنفسه ما يبلغه هو عليه السلام له ، لشدة حبه له وإيثاره مصلحته . وقوله ، " لم آلك نصحا " لم أقصر في نصحك ، إلى الرجل في كذا يألو ، أي قصر فهو آل والفعل لازم ، ولكنه حذف اللام فوصل الفعل إلى الضمير فنسبه ، وكان أصله : لا آلو لك نصحا ، ونصحا منصوب على التمييز ، وليس كما قاله الراوندي إن انتصابه على أنه مفعول ثان ، فإنه إلى مفعول واحد لا يتعدى ، فكيف إلى اثنين !